الجاحظ

106

الحيوان

688 - [ الغمر والمجرّب من الحمام ] وفي الحمام الغمر والمجرّب ، وهم لا يخاطرون بالأغمار لوجهين : أحدهما أن يكون الغمر عريفا فصاحبه يضنّ به ، فهو يريد أن يدرّبه ويمرّنه ثمّ يكلفه بعد الشيء الذي اتّخذه له ، وبسببه اصطنعه واتخذه . وإمّا أن يكون الغمر مجهولا ، فهو لا يتعنّى ويشقي نفسه ، ويتوقّع الهداية من الأغمار المجاهيل . وخصلة أخرى : أنّ المجهول إذا رجع مع الهدى المعروفات ، فحمله معها إلى الغاية فجاء سابقا ، لم يكن له كبير ثمن حتّى تتلاحق به الأولاد . فإن أنجب فيهنّ صار أبا مذكورا وصار نسبا يرجع إليه ، وزاد ذلك في ثمنه . فأمّا المجرّب غير الغمر ، فهو الذي قد عرّفوه الورود [ 1 ] والتحصّب ؛ لأنّه متى لم يقدر على أن ينقضّ حتّى يشرب الماء من بطون الأودية والأنهار والغدران ، ومناقع المياه ، ولم يتحصّب بطلب بزور البراريّ ، وجاع وعطش - التمس مواضع الناس . وإذا مرّ بالقرى والعمران سقط ، وإذا سقط أخذ بالبايكير [ 2 ] وبالقفّاعة [ 3 ] ، وبالملقف [ 4 ] وبالتّدبيق [ 5 ] وبالدّشاخ [ 6 ] ؛ ورمى أيضا بالجلاهق [ 7 ] وبغير ذلك من أسباب الصّيد . والحمام طائر ملقّى غير موقّى [ 8 ] ، وأعداؤه كثير ، وسباع الطّير تطلبه أشدّ الطلب . وقد يترفّع مع الشّاهين ، وهو للشاهين أخوف . فالحمام أطير منه ومن جميع سباع الطير ، ولكنّه يذعر فيجهل باب المخلص ويعتريه ما يعتري الحمار من الأسد إذا رآه ، والشاة إذا رأت الذّئب والفارة إذا رأت السّنّور . 689 - [ سرعة طيران الحمام ] والحمام أشدّ طيرانا من جميع سباع الطير ، إلّا في انقضاض وانحدار ؛ فإنّ تلك

--> [ 1 ] الورود : ورود الماء « القاموس : ورد » . [ 2 ] البايكير : ما يصاد به الطير . [ 3 ] القفاعة : شيء يتخذ من جريد النخل لصيد الطائر « القاموس : قفع » . [ 4 ] تلقف الشيء : تناوله « القاموس : لقف » . [ 5 ] الدبق : غراء يصاد به الطير « القاموس : دبق » . [ 6 ] آلة من آلات الصيد . [ 7 ] الجلاهق : كلمة فارسية تعني الطين المدور الذي يرمى به عن القوس . انظر المعرب للجواليقي 42 . [ 8 ] انظر الفقرة ( 635 ) .